جعفر آل ياسين
13
الفارابي في حدوده ورسومه
وأسوق لك مثلا واحدا هو شهاب الدين السهروردي ( 549 - 587 ه ) في رفضه للموقف المشائي في التعريف حيث يقول : « من ذكر ما عرف من الذاتيات ، لم يأمن وجود ذاتي آخر غفل عنه . وللمستشرح أو المنازع أن يطالبه بذلك . وليس للمعرّف حينئذ أن يقول : لو كانت صفة أخرى لا طلعت عليها ؛ إذ كثير من الصفات غير ظاهرة ، ولا يكفي أن يقال : لو كان له ذاتي آخر ما عرفنا الماهيّة دونه . فيقال إنّما تكون الحقيقة عرفت إذ عرفت جميع ذاتياتها ، فإذا انقدح جواز ذاتي آخر لم يدرك ، لم تكن معرفة الحقيقة متيقنة . فتبيّن أنّ الإتيان على الحدّ ، كما التزم به المشاءون ، غير ممكن للإنسان . وصاحبهم اعترف بصعوبة ذلك » . ولا نعدم - لو أردنا الإطالة - أمثلة شبيهة بهذا الموقف ؛ كان للمفكرين المسلمين رؤية عميقة وأصيلة نحوه . فلأبي البركات البغدادي ( ت 547 ه ) مثلا تقسيم انفرد فيه بين مناطقة السلف والخلف - حيث وضع للأقاويل المعرّفة أشكالا ثلاثة هي : الحدود والرسوم والتمثيلات ، وقصد بالدلالة الأخيرة « إنّها تعريف الشيء بنظائره وأشباهه ، والكلّي المعقول بجزئياته وأشخاصه » . ولم تخل محاولاته المنطقية من نقد لاذع وطريف للأرسطوطالية ومنهجها في التعريف والحدّ . ولابن تيميّة ( ت 728 ه ) في هذا المجال مناقشة هادفة في رفض عملية تصوّر الحدود التي ذهب إليها المناطقة ، حيث دفع الرجل في دحضها بستة عشر وجها ، يتميّز أكثرها بالنظر الصائب وسلامة السبيل « 6 » * * *
--> ( 6 ) انظر : شهاب الدين السهروردي - كتاب حكمة الإشراق ، تحقيق هنري كوربان ، طهران 1952 ، ص 20 - 21 . وقارن : ابن تيميّة - كتاب نقض المنطق ، القاهرة 1951 ص 183 - 200 . وكذلك انظر : أبو البركات البغدادي - كتاب المعتبر - حيدرآباد 1935 .